شمس الدين محمد حافظ شيرازى (تعريب: ابراهيم امين الشواربي)

19

غزليات حافظ (أغاني شيراز)

« مبارز الدين محمد بن المظفر » لم ير حافظ بأسا أو بدا من أن يستقبل الحاكم الجديد وأن يرضى به ، فهو إن لم يكن خيرا من سابقه فلن يكون شرا منه ، فأقنع نفسه بالرضى عنه فعاش معه هادئا آمنا مسالما ، حتى إذا دارت عليه دورة الفلك وانقلبت عليه الأمور ، وقبض عليه أولاده واقتسموا أملاكه ، استقبل الحكام الجدد من أولاده وذريته الواحد بعد الآخر ، فلم يفضل واحدا على واحد ، أو مقبلا على مدبر ، أو غالبا على مغلوب ، بل كان في كل ذلك حازما كيسا بعيد النظر لا يتبع إلا ما تمليه عليه قواعد اللياقة والكياسة وسلامة الرأي ومن أجل هذا النهج الحازم الذي اختاره ، استطاع أن يبعد نفسه عن تنافر المتنافرين وتنافس المتنافسين ، فوردت في أشعاره إشارات كثيرة لأغلب « آل المظفر » الذين إذا ذكروا بشيء كان في طليعة ما يذكرون به هذا التطاحن العائلي الذي امتاز به حكمهم والذي أودى بهم جميعا حينما ظهر « تيمور » فاجتزهم من جذورهم وخلص الناس من شرورهم . . . ولولا أن حافظا أمضى أيام رجولته وكهولته بين هؤلاء ، لما كان لهم كثير من الشأن أو الذكر ولطوى التاريخ صفحاته عليهم واكتفى القارئ بأن يمر على أخبارهم عجلا في غير تريث ، ثم يصفهم بعد ذلك في كلمتين موجزتين بأنهم « أسرة نكدة الحال مفككة الأوصال » . وقد كنا نود أن تكون إشارته إلى هؤلاء الحكام صريحة لا مواربة فيها ، فقد كانت في هذه الحالة تساعدنا على تأريخ عدد من غزلياته وترتيبها ترتيبا زمنيا معقولا ، ولكنه للأسف فضل أن يتبع طريقته في ذكر هؤلاء ، فكان يكتفي بالتلميح حيث يلزم التصريح ، وكان يكنى بالإشارة حيت تستوجب العبارة . وكان يقول ما يريد في صيغة رمزية يفهمها أهل عصره الذين كانوا يعرفون دقائق الحوادث فيدركون مقاصده ، والذين كانوا يقفون أولا بأول على ما يقع من أمور في بلدتهم فيعرفون معانيه ومداركه ، والذين كان لديهم من العلم بالظروف المحيطة بهم ما يجعل التلميح في مثابة التصريح ، والإشارة العابرة في منزلة القول الفصيح . بل أن هناك من يقول إن حافظا لم يكن يجسر على القول صراحة بسبب اضطراب عصره ، وكان يخشى أن يصرح بأسماء من يتحدث عنهم خشية أن تتغير الأحوال فيصبح الغالب مغلوبا ، والفائز منكوبا أو يصبح الضعيف قويا ، والهين جبارا عتيا . وقالوا إنه من أجل ذلك اختار أن يشير إلى من يمدحه بأنه « حبيب » و « معشوق » و « صديق » ، كما كان يشير إلى من يكرهه بأنه « رقيب بغيض » و « خصم عنيد » و « عدو غير شفيق » .